سعيد حوي

3805

الأساس في التفسير

لهم العلو والغلبة في الأرض اليوم ، أو كانت لهم في الزمن الماضي ، ولو كانوا جاحدين بالله والرسالة والوحي واليوم الآخر ، منغمسين في أدناس الفسق والفجور التي قد عدها القرآن من الكبائر ، كأكل الربا ، وارتكاب الزنا ، وشرب الخمر ، ولعب الميسر ، وما إليها . فإن كان أمثال هؤلاء من المؤمنين الصالحين ، ولأجل إيمانهم وصلاحهم نالوا العلو والغلبة في الأرض ، فأي معنى يمكن أن يكون للإيمان غير الإذعان لقوانين الطبيعة ، وللصلاح غير العمل وفق هذه القوانين ؟ وما ذا يمكن أن يكون دين الله المرتضى غير بلوغ الكمال في العلوم الطبيعية وترقية الصناعة والتجارة والسياسة القومية ؟ وهل يمكن بعد التسليم بنظريتهم الزائغة أن تكون عبادة الله غير التزام القواعد والضوابط التي تساعد على بلوغ النجاح في السعي الفردي والاجتماعي فقط ؟ وهل يبقي الشرك إذن عبارة عن شئ غير مزج هذه القواعد والضوابط المفيدة بالطرق المضرة ؟ ولكن هل لأحد قد قرأ القرآن مرة بقلب مفتوح ، وعينين مبصرتين أن يقول بأن هذه هي المعاني لكلمات الإيمان ، والعمل الصالح ، ودين الحق ، والعبادة ، والتوحيد ، والشرك المذكورة في القرآن ؟ الحقيقة أنه لا يكاد يقول بهذه المعاني إلا رجل لم يكن قد قرأ القرآن ولا مرة واحدة من بدئه إلى آخره ، مع فهم معانيه ، وإدراك مقاصده ، وإنما أخذ آية من هنا وأخرى من هناك فحرفها وفقا لأهوائه ونظرياته وأفكاره ، أو رجل ما زال عند قراءته للقرآن يبطل ويخطئ بزعمه جميع الآيات التي فيها دعوة للناس إلى الإيمان بالله ربا واحدا ، وإلها لا شريك له ، وبوحيه الذي أنزله على رسوله وسيلة وحيدة لمعرفة الهداية ، وبكل نبي أرسله إلى الدنيا قائدا ، يجب على الناس أن يطيعوه ، أو فيها الأمر للناس باعتقاد حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا ، بل قيل لهم فيها أن لا فلاح للذين يريدون الحياة الدنيا فقط ، وهم عن الآخرة غافلون . وهذه الموضوعات قد أبدئ في ذكرها وأعيد في القرآن بكثرة ، وبطرق مختلفة ، وبألفاظ واضحة صريحة ، حيث يتعسر علينا تصديق أن يقرأ أحد القرآن - بإخلاص وأمانة - ثم يقع في مثل الأخطاء والأغلوطات التي قد وقع فيها هؤلاء المفسرون الجدد لآية الاستخلاف ، فالحقيقة أن المعنى الذي بينوه لكلمتي : الخلافة والاستخلاف ، وعلى أساسه قد رفعوا بناءهم ، إنما اختلقوه من عند أنفسهم ، ولا يكاد يقول به أحد يعرف القرآن . إن القرآن يستعمل كلمة الخلافة بثلاثة معان مختلفة ، وفي كل موضع من مواضع